محمد بن عبد الله الصفار

233

رحلة الصفار إلى فرنسا

ومنهم طائفة أخرى لابسين الدروع على صدورهم وظهورهم . كما أن العسكر الرجلى أيضا كذلك ، كل طائفة لها عمل خاص من مباشرة الحرب ، قائما أو راقدا على جنبه ، وإطفاء النيران إن وقعت في العسكر ، وهكذا حتى مروا عن آخرهم . ومضوا وتركوا قلوبنا تشتعل نارا ، لما رأينا من قوتهم وضبطهم وحزمهم وحسن ترتيبهم ، ووضعهم كل شيء في محله ، مع ضعف الإسلام وانحلال قوته واختلال أمر أهله . فما أحزمهم وما أشد استعدادهم ، وما أتقن أمورهم وأضبط قوانينهم . وما أقدرهم على الحروب وما أقواهم على عدوهم ، لا بقلوب ولا بشجاعة ولا بغيرة دين ، إنما ذلك بنظامهم العجيب وضبطهم الغريب ، واتباع قوانينهم التي هي عندهم لا تنخرم . إن صدرت من واحد منهم زلة أجروا عليه شريعتها ، سواء كان رفيعا أو وضيعا . وإن ظهرت لأحد منهم مزية أرقوه درجتها ، لا يطمع أحد منهم في غير ما هو له ، ولا يخاف على ما في يده أن ينزع منه . فعلى ذلك يبدلون مهجهم في المعارك ، ويلقون بأنفسهم في المهالك . ولو رأيت سيرتهم وقوانينهم لتعجبت منها غاية العجب ، مع كفرهم وانمحاء نور الإيمان من قلوبهم ، وما راء كمن سمع الخ . اللهم أعد للإسلام عزته ، وجدد للدين نصرته بجاه النبي صلى الله عليه وسلم . ومن الغد وبعده ، ذهبوا بنا لقصرين من قصورهم السلطانية ، أحدهما يسمى باليرويال « 1 » ، والآخر يسمى لوفر « 2 » ، وكل منهما قصر عظيم ضخم مشيد . فالأول مشتمل على أثاث البيت كله عندهم التي يكون عند الملوك ، لاكنه غير مستعمل بل مستور محفوظ مصون يتعاهده الخدمة كل وقت وهو فارغ لا يسكنه . وفيه أثاث سلطانهم المتولي الآن وتصاوير أقاربه وأحواله ، وكيف كان في أول نشأته وبعد ذلك إلى أن تولى المملكة . وأما قصر لوفر ، وهو قريب من القصر الآخر ، فهو فارغ لا يسكنه أحد ولا أثاث . وفيه من التصاوير والثماثيل ما لا يحصى : منها أجسام من الحجارة ونحوها ، ومنها نقوش ورقوم . فكان هناك كثير من صورتي مريم وعيسى بزعمهم ، وتصاوير صور الماضين من سلاطينهم وتصاوير صور اليونانيين ، ومنهم سقراطس وفلاطون الحكيمان ، وصور أصحاب الطوفان ورجالهم حين وصل إليهم الماء وهم يتعلقون

--> ( 1 ) ويقابلها في الفرنسية ( Palais Royal ) . ( 2 ) ويقابلها في الفرنسية ( Le Louvre ) .